و للنفس ثرثرة

في لحظةٍ ما .. كهذه الآن .. أشعر بأني بعيدة جداً عن العالم .. وعن كل ما يحدثُ حولي .. كأنّ عزلةً اجتاحتني رغماً عني! صوتٌ يتردد داخل رأسي .. لحنٌ حفظتهُ جيّداً .. لا يُفارقني ..

*أسماء عدنان

يلوحُ لي الآن طيفٌ قديم .. يذكرني بأحد أيام الصيف ..  لحظات السكون والتأمل في كل ما يحدث حولي .. في أشياء لا أفهمها .. تحدث لي ولكني لا أشعر بها .. كما لو أنني خارجها رغم أني أعيش وسطها تماماً .. أستمع إلى لحنٍ قديم .. لازال يتردد منذُ أكثر من سنتين .. لا أدري لم أصبحت الأشياء رمادية لهذه الدرجة! أتسائل أين اختفت ألوانها وبهتت؟ أم أن عيني تشكو خطباً ما؟ أتمدد في سريري بكسل دون أن أشعر بالرغبة في النهوض أو عمل أي شيء! ماذا يفعل الطبيعيّون في مساءٍ كهذا؟ كثيرة هي الأسئلة التي أواجهها دون أن أجد جواباً، وأسأل هل من الطبيعي أن أشعر بذلك؟ المساءات الكسولة، أكواب القهوة التي تكدّست على المنضدة، الصداع الذي لا يفارقني لأيام، التردد والحيرة، والهدوء الذي أبدو عليه رغم كل ذاك الضجيج الذي يحدث بداخلي .. أسأل متى ينتهي كل هذا؟ 

*أسماء عدنان

يطيبُ للوحدة أن تجلس بجانبي، تشاركني كوب قهوتي وكتابي .. تستمع لصوتي الداخلي وتربّت على كتفي دون أن تمضي كبقية الأصحاب .. أشعر أننا متوافقتين جداً، هي لا تتركني .. وأنا ألوذُ إليها في كل مرة يخذلني أحدهم .. هي دائماً هناك .. في نفس المقعد الذي كنا نتشاركه سويّاً .. ليست سيئة كما البعض قد يظنها كذلك .. لا أبداً على الإطلاق .. هي تدعني ووحدي .. لا أؤذي أحداً ولا أحدٌ يؤذيني ..

*أسماء عدنان

قولي لي .. كم نحتاج لنتعافى تماماً من بعض الجروح؟

حتى لو برِئت واندملت، تبقى الندوب .. كلما مررنا بأصابعنا - دون قصدٍ - عليها تأوّهنا .. وعاد إلينا ذاك الوجعُ القديم ..

*أسماء عدنان

أكثر ما يقلقني أن نُصاب بالملل يوماً ما، كيف يستمر الحب؟ كيف لا تهتزّ المشاعر ولا تضطرب؟ كيف لا تتبدّل؟ كيف نحافظ عليها دون أن تنزوي نحو زاوية العُتمة وتموت؟ عدم الاستمرارية تُخيفني، ثمّ .. أليست هذه طبيعة البشر؟ القلق والخوف من أشياء لم تحدث بعد؟ وتفكيرنا الدائم بها يقتلنا .. يمنعنا حتى من الاستمتاع بلحظاتنا الحالية .. لكن ماذا عن إحساسنا بالقلق بما قد يحدث مستقبلاً؟ هل الثقة هي كل ما نحتاج؟ أم الأمان والاطمئنان؟ لكنّي حين أتذكر بأن ثمّة قلباً ينبض .. له القدرة على ضخّ الدم بهذه الاستمرارية .. أطمئنّ .. فحيثما تسكنُ الحياة في القلب .. يسكنُ هناك الحب أيضاً .. 

*أسماء عدنان

هل عدم معرفتنا بمَ يفكر الآخرون يُثير فينا الشك والأسئلة أو حتى .. عدم الثقة بهم؟

صحيح أننا لا نملك حقّ الاطّلاع على أفكار الجميع .. لكن تصرفاتهم تُفشي أفكارهم .. تُخبرنا عن نواياهم ..

ومهما ادّعى البعض بما ليس فيه .. يوماً ما سيأتي .. وتكشف لنا الحياة من هم حقاً .. قد تصدُق نوايانا وقد تخيب ..

لا تتوقع ولا تنتظر من الناس كثيراً .. لا تحسن الظن أو تثق أكثر مما يجب .. لا تُسيء أو تظن الأسوأ ..

كُن حيادياً في المنتصف .. وستُظهِر لك الأيام كل شيء .. كل شيء ..

*أسماء عدنان

أحياناً، كل ما عليك هو أن ترفع يدك ملوّحاً ومودّعاً أحدهم وهو يمضي .. والقطار يحمله بعيداً .. دون أن تتقدم خطوة واحدة للأمام، دون أن تدفع الناس بعيداً عنك لتتشبّث بالباب أو تقفز إلى داخل القطار، هو اختار تلك الحياة .. اختار البُعد .. لماذا تحاول أن تكون جزءاً من حياته من جديد؟ .. فقط .. دعهُ يمضي .. 

*أسماء عدنان

ماذا يعني حين تقول للحياة أهلاً في الوقت الذي لازالت تدير ظهرها لك .. تطرق كتفها برفق تقول لو سمحتِ .. تلتفت أخيراً نحوك .. تبتسم قليلاً، وقليلاً فقط ثم تجعلك تواجه كل شيء وحدك .. وتدير ظهرها من جديد وتمضي.

*أسماء عدنان

ويضيعُ صوتي في الزحام .. وأضيع وحدي بين الأنام .. أتوهُ ويبقى الصدى .. يصرخ مكرّراً ما أقولُ وما أرى، أضَعتَني يا صديقُ أضَعتَني .. قُل للزمن الجميلِ وداعاً، أنهكني انتظارهُ ليعودَ وما أتى .. ما مضى .. مضى ..

*أسماء عدنان

اليوم، بعد أكثرِ من عامٍ أقف وتمتدّ يدي دون أن يتلقّفها أحد ويشدّ عليها .. وحدي أسيرُ الآن .. لا صوت يصدُر فألتفتُ له .. لا صوتَ هنا سوى خطواتِ قدمي تتقدّمُ وحدها ويدي أمدّها نحوي، إليّ .. أُخفيها في جيبِ معطفي وأمضي .. 

*أسماء عدنان

أيا فجرُ الغدِ متى تأتي؟ ألا فلتدنو أيّها القاصي .. هدّنا طولُ انتظارك وما .. خجِلتَ ولا أتيتَ ألا ليتكَ هاهُنا دانِ .. 

*أسماء عدنان

ولا الزمنُ يُقصيكَ عنّي ولا بُعدك أقصاني ..

فلا الغيابُ يا صديقُ يُجدي ولا ذِكرُك فانِ ..

فما للبُعدِ حين أتى، غير أن يلحقهُ قُربٌ ثانِ .. 

*أسماء عدنان

أحياناً، وأحياناً فقط .. تشبه الرواية إلى حدٍ ما تفاصيل حياتنا .. تختلف الشخصيات، وربما البيئة بطبيعة الحالِ أيضاً، لكن أحداثها تشبه ما نمرّ بها تماماً!

*أسماء عدنان

وحين اخترتَ التخلّي عني يا صديق، وتأتي في يومٍ، في لحظةِ ضيق .. اليدُ التي كانت تربّت على كتفك خذلتها وتركتها ترجفُ وحدها ومضيت، لا تنتظرني.

*أسماء عدنان

وتظل تفتّش عمّن فقدت ولا أثر، في أعين الناس ولا بحديثهم ..

امضِ الآن فمن فقدت فقد رحل ..

سلامٌ على من رحل، سلامٌ عليه أينما ذهب وحلّ ..

*أسماء عدنان